الخطيب الشربيني

693

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة » « 1 » . واختلف فيمن نزل ذلك فيه ، فقال مقاتل : في العاصي بن وائل السهمي . وقال السديّ : في الوليد بن المغيرة . وقال الضحاك : في عمرو بن عابد المخزومي . وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : في رجل من المنافقين . وقيل : في أبي جهل . وَلا يَحُضُّ أي : يحث نفسه ولا غيره عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أي : بذله له وإطعامه إياه ، بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه ، وقد تضمن هذا أنّ علامة التكذيب بالبعث إيذاء الضعيف ، والتهاون بالمعروف ولما كان هذا مع الخلائق أتبعه حاله مع الخالق بقوله تعالى : فَوَيْلٌ أي : عذاب ، أو واد في جهنم لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ أي : بضمائرهم وخالص سرائرهم عَنْ صَلاتِهِمْ التي هي جديرة بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها لأجل مصالحهم ومنافعهم بالتزكية وغيرها ساهُونَ أي : عريقون في الغفلة عنها وتضييعها ، وعدم المبالاة بها ، وقلة الالتفات إليها . وروى البغويّ بسنده أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال : « هو إضاعة الوقت » « 2 » . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : « هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس ويصلونها في العلانية مع الناس إذا حضروا » « 3 » لقوله تعالى : الَّذِينَ هُمْ أي : بجملة سرائرهم يُراؤُنَ أي : بصلاتهم وغيرها الناس ، لأنهم يفعلون الخير ليراهم الناس لا لرجاء الثواب ، ولا لخوف العقاب من الله تعالى ، ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس . وقال إبراهيم : هو الذي يلتفت في صلاته . وقال قطرب : هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله تعالى . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين . وقال عطاء : الحمد لله الذي قال تعالى : عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل في صلاتهم ساهون فدل على أنّ الآية في المنافقين وقال قتادة : ساه عنها لا يبالي صلى أم لم يصلّ . وقال مجاهد : غافلون عنها متهاونون بها . وقال الحسن : هو الذي إن صلاها صلاها رياء ، وإن فاتته لم يندم ، وقيل : هم الذي يسهون عنها قلة مبالاة بها حتى تفوتهم ، أو يخرج وقتها ، أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والسلف ، ولكن ينقرونها نقرا من غير خشوع ، ولا اجتناب لما يكره فيها من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات ، لا يدري الواحد منهم عن كم انصرف ، ولا ما قرأ من السورة ، وكما ترى صلاة أكثر من ترى من الذين عادتهم الرياء بأعمالهم ، ومنع حقوق أموالهم والمعنى : أنّ هؤلاء أحق أن يكون سهوهم عن الصلاة التي هي عماد الدين . والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبة من الشرك ومنع الزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام علما على أنهم مكذبون بالدين ، وكم ترى من المتسمين بالإسلام بل بالعلم من هو منهم على هذه الصفة فيا مصيبتاه .

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه أحمد في المسند 4 / 344 ، 5 / 29 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 4 / 243 ، 8 / 160 ، 161 ، وابن كثير في تفسيره 5 / 62 . ( 2 ) أخرجه البغوي في تفسيره 5 / 312 . ( 3 ) انظر البغوي في تفسيره 5 / 312 .